أحاديث طاولة هتلر!
- أخذتِ كل الذي نحتاجه؟
- أيه، بس لا تنس الترمس!
- جالس يتضبّط!
كانت هذه خاتمة التجهيزات قبيل هذه الرحلة، ساعتين للشرق من مدينة غدانسك البولندية، وعلى بعد ساعتين أيضًا من كالينينجراد الروسية، وسط غابة ماسوريا تحديدًا، على أطلال غيرلوز البولندية، حيث Wolfsschanze.
ما إن جلسنا في سيارة المرسيدس الألمانية، واخترت الوجهة إلى وكر الذئب، وعرّفت هاتفي المحمول على السيارة، حتى صدحت من قائمة الأغاني تلقائيًا أغنية Englandlied، الأغنية التي كانت القوات النازية تبثها في الإذاعات خلال القصف النازي على العاصمة الإنجليزية لندن، ابتدأ القصف في السابع من سبتمبر/أيلول ١٩٤٠ ميلادية، فقررت حينها التوقف مبكرًا عند محطة للتزود بالوقود، وتوجهت للمقهى وطلبت "شاي إنجليزي" كي تكتمل تفاصيل الجوقة!
طوال هذه الرحلة في الأراضي البولندية، لم نرَ بوابات الدفع لعبور الطرق إلا عندما انطلقنا في هذه الرحلة، بعدما تجاوزنا البوابة الأولى التي فيها موظف نزق سيئ الخلق، دخلنا في طريق فرعي عبر قناة إلبلاج ليستمر على طريقة تفويج العربات، لا ينقصه إلا عزف مارشات عسكرية.
بعد ساعة ونصف تقريبًا توقفنا في مدينة صغيرة، عند مدخل أشجار الغابة، الغابة التي احتوت مقر إدارة العمليات للجبهة الشرقية حيث كان هتلر يدير عملياته من هناك، وحدثت العملية فالكيري، وهي واحدة من أشهر عمليات الاغتيال الفاشلة، أما المدينة التي اختيرت فهي كيترزين، المدينة التي صارت فيما بعد مقرًا لما عرف بمفوضية الشعب للشؤون الداخلية التابعة لوزارة الداخلية السوفيتية!
لعل هذه المدينة تفسر لك الروح المتداخلة المضطربة تجاه هذين القطبين، ولم تحرمنا المدينة من مفارقة لها علاقة بالإنجليز أيضًا!
أوقفت سيارتي أمام مطعم عائلي في بيت من الحجر والقرميد قديم، ولكن لم أستطع الدفع عند عمود الدفع الخاص بالمواقف أمام البيت، فوجدت عابرًا أصهب في منتصف عمره يحاول ركل غراب حط أمامه، ولكن الغراب الذي ضيع مشيته كالعادة مستمر بإغاظته!
ناديته كي يساعدني في دفع قيمة الموقف، زلوتي واحد فقط، ثم كان هذا الحوار، كأنه من مترجم رخيص:
- هل تجيد الإنجليزية؟
- المفترض!
- أريدك أن تساعدني في دفع قيمة الموقف!
- أنت لا تبدو بولنديًا، من أين أنت؟
- العربية السعودية، وأنت؟
- آيرلندا، هل زرتها؟
- نعم، دوبلن وبلفاست، و ...
- لكن بلفاست في بلد مختلف!
- أيرلندا الشمالية!
- لكنه بلد مختلف!
- ok
- لا تبدأ بهذا؟
- أبدأ بماذا؟
- هذا النقاش حول البلد والأرض والتقسيم، هربت منه منذ عشرين سنة!
- من البلد؟
- من هذا النقاش هربت!
- ok
- أرجوك توقف!
- لكن لم أقل شيئًا، فقط ساعدني في دفع قيمة الموقف!
- لا، لكن أعرف ماذا ستقول، أمة واحدة وبلدين مختلفين!
- سيدي، فقط أحتاج مساعدة بسيطة، لا تجعلني ضائعًا في الترجمة وفي الهوية والتاريخ والمكان أيضًا!
- هل تملك خردة؟ إذا لم تملك، اصبر حتى تصير الرابعة، هنا ليس كالمدن الكبيرة، من بعد الرابعة نصبح مجانية.
وتركني وذهب يصارع الغراب!
دخلت للمطعم عند الرابعة، وقد حط غراب عند المدخل، وما أن اخترنا طاولة في باحة المنزل الخلفية، حتى جاءني شاب يقول: هل معك أي نقود؟ يجب أن تدفع على الأقل زلوتي واحد حتى تقف، وإلا سنحملها على الفاتورة كعشرة زلوتي قيمة موقف!
قلت: هل أنت الغراب الذي كان عند المدخل؟
قال: ما تعني؟
قلت: لا عليك! هذه خمسة زلوتي، اصرفها وخذ قرشًا واحدًا وادفعه للماكينة!
ثم ذهب الغراب، وجاء غراب آخر يحمل قائمة الطعام، كأنه الغراب في حكاية الثعلب الذي يعض على الجبن!
كأن الإنجليز لم يتركوا أحدًا وشأنه، لا الشاي ولا الأوروبيين ولا هذا الآيرلندي المسكين ولا حتى نحن!
انتهينا من الاستراحة وانطلقنا حتى وصلنا إلى وكر الذئب!
عند المدخل تجد بوابة عليها رجلان يقولان لك: ما سبب الزيارة؟ هل ابتعت تذكرة؟ من يرافقك؟ كم ستمضي؟ وغيرها من أسئلة التحقيقات الابتدائية، كل هذا وأكثر وهما يتترسان خلف بوابة خرسانية بها زجاج مثخن وسيارة مصفحة تحمل مدفع رشاش يعود تاريخ صنعه حسب الدمغة لسنة ١٩٣٩ ميلادية!
بعد كل هذا لا يمكنك تجاوز البوابة حتى يعبر قطار التموين، فلا ينتهي عبوره حتى تنتهي من قوة الانتظار، ثم يسمح لك بالعبور حتى منطقة استراحة الضباط، حتى توقف سيارتك هنا وتلج إلى داخل المكان!
عندما نزلنا من السيارة، ومدت يدها إلى الشمسية كي تقينا من المطر، حتى بدأت أسمع أصوات آلات نحاسية وأبواق وأنا أغلق الباب، ثم أصوات جوقة تردد الكلمات التالية:
Auf der Heide blüht ein kleines Blümelein
und das heißt
Erika
Heiß von hunderttausend kleinen Bienelein
wird umschwärmt
Erika
Denn ihr Herz ist voller Süßigkeit,
zarter Duft entströmt dem Blütenkleid
Auf der Heide blüht ein kleines Blümelein
und das heißt
Erika
ثم بدأ كل ذلك الحطام بإعادة التشكل، ليعود كل شيء كما لو كان في حينه، خُيِّل إليّ مرور سيارة الفيوهر بجانبي حتى تلج الكراج القديم قبل أن يدخل إلى غرفة الاجتماعات، رفعت يدي لأنظر لساعتي الرقمية، فوجدتها قد أعيد ضبطها، التاريخ ٢٠ يوليو/تموز ١٩٤٤ الساعة الثانية عشر والنصف ظهراً!
تحس بانبعاث الأرواح تطيف بالمكان، هنا كان تاريخ قبل هذه الساعة وبعدها، وكأنه حلمٌ قديمٌ راودك، كما راود صاحب المكان، كلا يحقق منه غاية يريدها، كان كل شيء يتشكل مع تحرك عقارب الساعة وتحركنا في زوايا الغابة حول الأنقاض التي يعاد بناؤها مع كل دقة لعقرب الثواني كما قال الشاعر:
ليستعيد!
وأي ذكرى يستعيد
أفضائح الأمس القريب أم البعيد؟
في الشرق، في أرض المعابد والكنوزْ
حيث القباب، وحيث آبار الزيوت
يتلاقيان على صعيدْ
وحولهم شعب يموت
ليستعيد!
وأي ذكرى يستعيد؟
واللطخة السوداء في تاريخه الدامي اللعين
كالنار باقية تثير الخوف والحقد الدفين
وما أن وقف عقربا الدقائق والثواني عند الثانية عشرة وأربعين دقيقة، حتى دوى انفجار في المكان، وصافرات الإنذار تصرخ، وعادت كل الأنقاض إلى أماكنها الطبيعية الحقيقية، وكل شيء بدا يدور وكأنه إعصار المنون، ليرتطم رأسي بالطاولة على جبيني، وأرفعه، لأجد زوجي تجر قميصي وتقول: "نمت مجددًا! بطاقتك لا تعمل! أمعك نقود ورقية؟"
قلت: "هاه! أجل معي! ماذا اشتريتِ؟"
قالت: "مغناطيس ثلاجة مكتوب عليه اسم الوكر بالألمانية، قهر ما في شيء عن المكان نفسه إلا هذا!"
قلت: "يلا أحسن من بلاش، على الأقل احتفظنا بذكرى، واحتفظتِ أنتِ بذكرى حديث المؤرخ!"
فتبسمت باستحياء!
وخرجنا من بوابة التحقيق، بعد عدة أسئلة ومساءلات، وقد استعارت معطفي دون أن يتغير موقفي!
فلما تجاوزنا البوابة، وأعدت تعريف هاتفي المحمول على السيارة ونحن عائدون، فجأة صدحت من قائمة الأغاني أغنية: Polyushka Polye Cavalry
تمت
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق