الأحد، 20 يوليو 2025

حلف وارسو

 حلف وارسو



- وين بتسافر هالمرة؟

- بولندا.

- بولندا!

- بولندا!

- وش عندك؟ وش هالمسكة! / شخص آخر من آخر الغرفة: يقولون مب أمان مرة!

- جت على بولندا الأمان الحين؟ همن على طاري المسكات، كانت الخطة أستراليا أو الأرجنتين، لكن بعدين حولت عليها، أبي مكان بارد وقريب!

- ياخي غريب!

- ما غريب إلا الشيطان!


بهذا الحوار الغريب، غير المفيد، ومحاولات الإقناع والتبرير غير مجدية، كان اختيار البلد له وقعه!


في غرفة موازية:

- ليش اخترت بولندا؟

- والله كانت الخطة أستراليا، لكن قلت متى بتجي فرصة نروح بولندا، خل نجرب ديرة جديدة، وشرق أوروبا!

- اللي تشوفه!


غرفة ثالثة متوازية الأضلاع:

- ما شاء الله بولندا! أشوف الشعب هاب فيها، حتى أمي وأبوي هناك!

- والله أدور البراد!

- مب برد مرة تراه، لكن أرحم من مناطق أوروبية كثير، أبوي يقول شمسهم دمار!

- متوقع بس العبرة ببقية اليوم!


ثلاثة حوارات تكشف لك عن حوار رابع باقٍ لم يصرح به بعد.

لكن انتظر! هذه الحوارات الثلاثة كلها تدور في فلك المختلف، والإجابات عنها تدور في فلك المتيقن من الرغبة!


... ... ...


٣٠ حزيران ٢٠٢٥

مطار باراخاس الدولي

الوجهة: مطار تشوبان الدولي


في الانتظار، بدأ جسم غريب بالاقتراب، طائرٌ قديم، لا أبينه لبعد المسافة، لا هو عنقاء ولا هو تنين، أما هو كان يطير بجناحين، ما أن اقترب حتى غلفته الغيوم، كطفل غاص بين وسائد طرية بيضاء.

ثم نودي على الرحلة كي نصعد الطائرة، وعبر الجسر حتى وصلنا إلى مقاعدنا، جلسنا، ولا زلت أنظر لذلك الجسم الغريب الذي تغلفه الغيوم.

ساد هدوء قبيل الإقلاع، تلبد الجو بالغيوم في كل مكان، استحال المكان كما لو كنا حبة قمح على صحن من القطن، ثم بدأت تعصف، وبدأت حركة الرياح تزيد، وكأن الدنيا غير الدنيا، ومع ازدياد حركة الرياح، انكشف جزء مما كنت أظنه مطارًا، ليتبين لي أنها قلعة قديمة، حجرها العتيد مسود كأنه فحم، لكن غطيت سقوف الأبراج والمباني بالقرميد الأحمر، ولا زال الغيم يغطي أسفلها، حينها فقط، زفر الكائن الذي كان بجانبنا، فذهب الغيم الذي كان يحيط بمقدمته قليلًا، خُيِل إلي أني رأيت شيئًا ما كأنه تنين، لكني لم أتبين، حاولت أن أقرب رأسي من النافذة ..... - آخ!


- شفيك!

- مال رأسي وخبط بالشباك، كم لنا طايرين للحين؟

- ساعتين تقريبًا!

- زين ما بقى كثر اللي راح!


حاولت أن أغفو قليلًا، لكن النوم جافاني، وتحسرت على ذلك الحلم الذي لم يكتمل، ففتحت عيني على نشرة إرشادات الطائرة، وجدت قد كتب فيها: في حال خروج النفثالين، ارتدي القناع المتدلي!

أعدت القراءة لأتأكد، في الحقيقة كتب: عند انخفاض الضغط في الطائرة، ارتد قناع الأكسجين المتدلي!

فسكنت خواطري!

التفتت عليّ وقالت: ما لك تقرأ مستغربًا؟

قلت: أتأكد من معلومة!

- وشي الخطة بعد مدريد؟

- بولندا والتشيك، وبنمر على سلوفاكيا!

- يعني بننبسط؟

- أكيد!

- طيب خل نتفق؟ إذا تعبت أو ما قدرت أكمل، تخليني أرتاح؟

- هذا ميثاق؟

- إيه!

- تمام!


وعندما أُضيئت إشارة ربط الأحزمة، جاء المضيف وقال: على السادة الرفاق المستمرين في السفر إلى الجمهوريات المجاورة البقاء في مقاعدهم حتى الرحلة القادمة!


- سيد رفيق! انتظر! هذه الرحلة متجهة إلى وارسو؟

- بالتأكيد يا رفيق!

- ولكن لم كل هذا التنطع؟

- البلاد تمر بأزمة!

- أي أزمة؟

- أزمة ذاكرة! ثم تنهد وقال وهو يزفر: 

إن من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، وإن من يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي!

- حسنًا يا رفيق جورج أوريل، هل هذا كان بيان من وزارة الحقيقة؟!

- أحتاج أن أرى الأوراق إذا سمحت!

- ما .. ماذا؟

خلال هذا استيقظت بسبب ارتطام رأسي بالنافذة، وأنا أرى وارسو من فوق وأتحسس رأسي!


حلمين غير مكتملين في رحلة واحدة، كأن هذه الرحلة في الذاكرة المثقلة هذه المرة، ذاكرة القارئ وذاكرة المؤرخ، ذاكرة الأديب وذاكرة الناس، باختصار: الذاكرة الجمعية!

الرحيل في الذاكرة يشبه الرحيل عبر آلة زمن، مع الفارق أن التنقل يبدو كحلم متقطع، تستذكر منه فقرات، وتنسى فقرات أخرى، وقد تتحفظ على أخرى كي لا يعبرها أحد، كأن هذه التوليفة هي اتفاق سلمي سري بينك وبين نفسك!



وهكذا يكون الحلف، في سماء وارسو، قبل الذهاب إلى التشيك بعشرة أيام تقريبًا!


تمت



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق