الثلاثاء، 12 أغسطس 2025

موروماتشي برفقتنا!

 
 
- اليوم وش الترتيب، صرعنا الطريق مع هذه الشلة!
- نحن شلةٌ ستة!
- هيا خذلك! وش مصحيكم الحين؟
- نأخذ مواقعنا!
وقفت كي أعدهم بترتيب طولهم: جيلفر، وثامبلينا، وأرنب آليس، وهانس، وآليس، وأخيرًا لويس! وقد حددنا الوجهة: الحديقة اليابانية في روكلو!


كانت الحديقة مبادرة من الكونت فريتز فون هوشبيرغ، الذي وظّف البستاني الياباني مانكيتشي أراي عام ١٩١٣م، على طرف المدينة القديمة، تقبع الحديقة الكبيرة، وتتوسطها هذه الحديقة التي تضم بركة فيها أسماك الشبوط حديدًا، وجسر وبركة ضفادع صغيرة، وجناح للشاي!


اتجهت لزاوية فيه، أعني جناح الشاي، فقفزت من البركة ضفدعة صغيرة، وهي تحدق ثم عادت، تبعها جيلفر، ثم عاد بعد حوالي الساعة ونحن متحلقين حول آليس تحكي حكايات بلاد العجائب، عاد كهدهد سليمان وهو يقول: تعال أيها الساحر!
قلت: مه! ما بك؟
قال: هنالك في المدينة أماكن متناثرة واحد منها باسم هانس! في بيت يشبه بيوتات كوبنهاجن!
التفت إلى العصابة التي معي لعل أحدهم يبين، حينها قالت آليس: أذكر أني رأيت مرة في أحد رحلاتي كرسي كأنه صحن البيضة المسلوقة، كان يعتبر عرش هامتي دمتي فرأسه مثل البيضة، لعلها أماكن يجب أن نترك علامات فيها كما لو كانت مفاتيح!
حينها خرجت الضفدعة مرة أخرى، ولم تعد، وبقيت عندها تنعق على طريقة شفرات مورس! كأنها تريد أن تقول شيئًا!


ثم جاء الأشيكاغا ... هذا ما تقوله الشفرة!
إنها الحرب!


بدأت الضفادع تقفز من أكنتها، وجاءت الشلة تركض إلي مسرعة، وجيلفر يقول لي: يجب أن نبحث عن أمكنتنا كي نوقف هذه الحرب، رأيت مثلها في رحلتي إلى جزيرة ليليبوت، وهذه حرب على جزيرة هونشو، كما ليليبوت منقسمة الجزيرة بين فريقين، دعنا نذهب لتلك العلامات التي قالت عنها آليس ونغلق المفاتيح حتى نوقف الحرب!
جمعتهم في جيبي واتجهت بهم خارج الحديقة، وهي تبتعد خلفنا وتغلق الأبواب، ولا زالت الضفدعة تنعق برسائل مورس، كان كل واحد منهم يهديني إلى بقعته، ثم أنزله عندها فإذا وجد اسمه وقف فوقها ثم تسمر مكانه كأنه تمثال، ثم أسمع صوت تساقط حصى من بعيد، من ساعة الساعة كان أول من تسمر جيلفر، ثم عند الزقاق القديم بجانب باب الكنيسة وقف كل من آليس ولويس وأرنبها، كثلاثي مرح، ثم صعدت ثامبلينا عند أذني وهي تقول: هناك عند النافورة قرب زهرة الأقحوان قريب من ذلك البيت الدنماركي!
أنزلتها عند الزهرة، فدخلت وهي تبتسم وتقول: ادخل البيت ستجد المفتاح!
وقفت عند باب البيت، بابه الأبيض الخشبي وكل ما حوله من جدران خشبية لونها أصفر معتق مدعمة بعمدان بنية عودية اللون، وسقف قرميدي عتيق، عندما هممت بالدخول، قال هانس: انزلني! أنزلني ودعني أدخل مكانك!
دفعت الباب، ودعوته يدخل، لم أتبعه ومضى حتى اختفى في غياهب ظلمة البيت، ولما ارتد الباب كي يوصَد، وجدت نصباً خشبياً كأنه لَوم معلق على الباب، حُفر على النصب كلمات باليابانية تقول: أون-أن!

لما تلقفته: لم يعد الحصى يسقط، توقفت الأصوات التي رافقتني منذ أن خرجنا من الحديقة، لكن خرج من البيت المقابل ناسك ياباني وهو يقول: ألم يحن موعد طقس الشاي عند بحيرة الضفادع؟


عدنا إلى الحديقة، عند جناح الشاي، غرزت اللوح عند ساحة الحصى بجانب بحيرة الضفادع، كل شيء هادئ، ولم أجد تلك الضفدعة القديمة التي كانت تنعق، التفت إليه وهو يشرب الشاي بجلسته المميزة وهو يردد: الشاي اليوم أطيب من العادة! التفت وقلت: هل أنت تلك؟
ترك الكوب على الأرض ثم قام واتجه ناحية بحيرة الضفادع ثم ضم راحتي كفيه تجاه أنفه وأغمض عينيه وقال: شوجين ريوري! وقفز متحولًا إلى ضفدع!


قمت أبحث عن رفيقتي فإذا هي عند النافورة الراقصة بجانب الحديقة، والنافورة ترقص على أنغام أغنية: France Gall - Yume ni mita oujisama
فجلست بجانبها ونحن ننظر للنافورة والأطفال يلعبون بالماء حولنا!
- طفشتي؟
- لا بس خلاص رجعتهم؟
- حنا رجعنا!
وجلسنا نضحك على أنغام الأغنية والأجواء الهادئة الباردة، والحديقة لم يبق فيها إلا جرادة بونوكيو!
 
تمت
 

الاثنين، 28 يوليو 2025

رؤى حالمة والأقزام السبعة!

 رؤى حالمة والأقزام السبعة



في الطريق للرحلة التالية، كلما اقتربنا إلى الوجهة التالية تضاءلت الأشياء من حولنا، كأني أدخل في بعد جديد!


كان الطريق ينتقل من مدينة غدانسك في أقصى شمال البلاد حتى الحدود البولندية - التشيكية، لكن الرحلة المرهقة هذه لا بد لها من عدة استراحات!


في الطريق توقفنا للتزود بالوقود، وربما تناول وجبة بسيطة، أوقفت السيارة عند مضخة الوقود، وما أن انتهيت من تعبئتها، حتى توجهت للمقهى القريب، توجهت لماكينة القهوة، وسحبت كوبًا فارغًا، واخترت حليبًا بالقهوة، ثم إلى البراد لأرى أي السندويتشات تتوفر، قلت في نفسي: سلمون اسكتلندي! لا بأس به! واتجهت إلى نافذة المحاسب، ضربت الجرس فلم يأت أحد، لكني أسمع صوتًا يقول: انتظر! إني قادم!

بدأت أتأفف وأنا أبحث عنه وأنا أسمع: هنا! انظر جيدًا! قريب وحولك! هاي! أنت! انظر خلفك! للأسفل!

نظرت في كل اتجاه فلم أجد أحدًا، وما زلت أسمع صوتًا، فكرت في البحث عن خدمة ذاتية كي أدفع الحساب، لكن الصوت ظل يردد: تعال! لا توجد خدمة ذاتية! ثم بدأت أسمع صوت من يعاني من دفع جسم ثقيل، حتى سقط رف العلكة على الأرض!

تنبهت إليه، وذهبت إلى هناك، ووجدت شيئًا ما يقفز!حسبته لعبة! لكن ما إن اقتربت منه حتى أتحسسه قال: انتظر! لا! لا! لا تحملني!

كان مثل القملة، ويردد: أنزلني أنزلني! ويحاول أن يرفس أصابعي، فلما وضعته على طاولة المحاسب، قال لي: أنت مسافر على هذه الطريق، أليس كذلك؟ إلى أين؟ سفرتي معك! سأكون مسليًا!

التفت خلفي، فإذا برؤى تنزل من السيارة إلي، وتقول: يبدو ظريفًا، خذه معنا، ما اسمك؟

قال: جيلفر!

قلت: إذا كنت أنت جيلفر، فأنا جونثان! ثم ضحكنا! أعاد السؤال عن وجهتي فقلت له سنذهب إلى روكلو، فقال لي: فروستوف تعني؟ قلت: هي ذات الوجهة نعم، ولبّيت رغبة رؤى ونقلته في جيبي سترتي وانطلقنا!

عندما ركبنا السيارة، طلب جيلفر أن يختار لنا أغنية، فاختار لنا: Lili Marleen Lale Andersen نسخة ١٩٣٩

كنا نسير في الطريق، وجيلفر يرقص فوق طبلون السيارة على أنغام الأغنية، وكأنه تلك الكرة البيضاء التي تظهر في برامج الأطفال فوق كلمات الأغاني، فكان كما أغنية الحب هذه، أضاف للرحلة نغمة جديدة!

فلما انتهت قلت له: انتظر! إنه دوري هذه المرة!واخترت ein bisschen Goethe, ein bisschen Bonaparte التي غنتها France Gall، ونحن نستمع لها، توقفت مرة أخرى عند قرية على مفترق طريقنا للتزود بتسليات الطريق، عندما عدت من الدكان مسكت كتفي وقالت: أتظن أن موروماتشي ينتظرنا؟

قلت: أحتاج أن أستدعيه أولًا! أتذكر أنه قال قبل أن يقفز في بحيرة الضفادع: شوجين ريوري!

ولم يمضِ أي وقت حتى سمعت صوت فتاة تقول: ساعدني، ساعدني كي لا نسقط كلنا في حفرة الخيال هذه!

رفعت رأسي للشماسة، فإذا بفتاة شقراء بطول الخنصر تقريبًا متعلقة بها، أنزلتها حتى وقفت فوق الطبلون، وجيلفر ينظر لها كأنه يعرفها! سألتها: وأنتِ؟

قالت: أنا حديث الزمان، طفلة الأقحوان، صغيرة كالبنان، وبديعة الحسن كما ترى - قالتها وهي تضحك وتدور حول نفسها وقد دار معها فستانها الأبيض النيلي - فلما انتهت من استعراضها قالت: اسمي ثامبلينا، وأنت؟ ما اسمك؟

قلت: أنا الذي يبني من دون أي شيء قلعة الحصن! في يدي عصا سحرية اسمها قلم، كلما خربشت بها على أي شيء، استحال لأشياء!

قالت: إذًا أنت صديقه! ثم التفتت للمقاعد الخلفية وقالت: أعطه زهرة الأقحوان وأغلق الباب خلفك!

التفتُ للمقاعد الخلفية، فرأيت رجلاً جبينه عريض ووجهه طويل، يسرّح شعره لليمين، ويرتدي قماشه كأنها ربطة عنق حول رقبته، ملامحه حادة ومميزة، وبالطو أسود مميز، لكن قصير القامة يكاد طوله يصل إلى ركبتي، صعد السيارة وأغلق الباب ومدّ لي إصيص زهرة الأقحوان وهو يقول: ضعها في مكان الأكواب!

فلما وضعتها قفزت إليها وهي تقول: أقدم لك هانس!

التفتُ وقلت: مع هذا العالم العجيب، لم يبق لنا إلا أن يظهر لويس وآليس!

فطرق زجاج الباب الأمامي الخاص بالسائق رجل معه فتاة تحمل أرنباً أبيض ويقول: هل تنقلنا معك إلى هناك! فروستوف!

كدت أجنّ، هذا لويس بشعره المسرح على الجانبين، ومعه أليس بشعرها الأشقر وقبعتها المميزة وفستانها الأزرق، وهذا أرنبها الناطق!

هنا اقترب جليفر من كتفي وهمس في أذني وقال: ألم تقل لي أنك جونثان، انتبه من الآن فصاعداً، أي اسم ستسميه، سيظهر لك! نحن الآن ستة هؤلاء الثلاثة، وهانس وزهرته وأنا! فهل نعتبر مركبتك سفينة جليفر في رحلة العجائب؟ سنسميك إذاً جونثان الساحر!


وقد كان، معنا في هذه الرحلة ٦ أقزام حتى الآن:

جيلفر، وثامبلينا، وأرنب آليس، وهانس، وآليس، وأخيراً لويس!رُتبت أسماؤهم حسب الطول، من الأقصر إلى الأطول، ثم قالت خليلتي: "بقي موروماتشي!" فأومأت برأسي ثم قلت: "لعله ينتظرنا هناك!"

فقالت لي: "لهذا اخترت أغنية لفرانس غال؟"

قلت: "لعل إحساسًا بداخلي يقول إنه ينتظرنا هناك، في الحديقة اليابانية في روكلو! لكن دعيني أعرفك أولًا على عصابة الأقزام هذه!"

جيلفر هو صاحب الرحلات الشهير الذي ذهب في الرحلة الشهيرة إلى جزيرة الأقزام في ليليبوت، وزار قلعة لابوتا الطائرة في السماء، وكان معه الساحر محضر الأرواح!

أما ثامبلينا فهي عقلة الإصبع، وهي من شخصيات وعوالم هانس كريستيان أندرسون، وهو الذي جاء حاملًا زهرة الأقحوان مسكًا لها!

أما الثلاثة الباقين فهذه أليس وأرنبها الناطق من بلاد العجائب، وهذا لويس كارول الذي أوجد لها هذا العالم!

حينها قال جيلفر: "وأنت الآن بيننا تتمثل جونثان سويفت الذي صنعت هذه الرحلة الغرائبية وكذلك الساحر الذي جاء بكل هذه الشخوص لهذه السيارة!"

قلت: "لعله كما تقول، وهذا القلم هو عصا الساحر، فلم يبق من كل صور التوافق إلا قبعة حتى أُلقي عليها السحر!"

فجاءت خليلتي ووضعت على رأسي قبعة إيرلندية كحلية اللون وهي تقول: "هذه هي! وهذا من بيان السحر!"فأرنا قوة بنانك وانطلق بنا!


واهتز رأسي فجأة، فصحوت على زوجي تشد لحافي في فندق دوبل تري في مدينة فروتسواف!




تمت

الأربعاء، 23 يوليو 2025

أحاديث طاولة هتلر!

 أحاديث طاولة هتلر!


- أخذتِ كل الذي نحتاجه؟

- أيه، بس لا تنس الترمس!

- جالس يتضبّط!


كانت هذه خاتمة التجهيزات قبيل هذه الرحلة، ساعتين للشرق من مدينة غدانسك البولندية، وعلى بعد ساعتين أيضًا من كالينينجراد الروسية، وسط غابة ماسوريا تحديدًا، على أطلال غيرلوز البولندية، حيث Wolfsschanze.


ما إن جلسنا في سيارة المرسيدس الألمانية، واخترت الوجهة إلى وكر الذئب، وعرّفت هاتفي المحمول على السيارة، حتى صدحت من قائمة الأغاني تلقائيًا أغنية Englandlied، الأغنية التي كانت القوات النازية تبثها في الإذاعات خلال القصف النازي على العاصمة الإنجليزية لندن، ابتدأ القصف في السابع من سبتمبر/أيلول ١٩٤٠ ميلادية، فقررت حينها التوقف مبكرًا عند محطة للتزود بالوقود، وتوجهت للمقهى وطلبت "شاي إنجليزي" كي تكتمل تفاصيل الجوقة!


طوال هذه الرحلة في الأراضي البولندية، لم نرَ بوابات الدفع لعبور الطرق إلا عندما انطلقنا في هذه الرحلة، بعدما تجاوزنا البوابة الأولى التي فيها موظف نزق سيئ الخلق، دخلنا في طريق فرعي عبر قناة إلبلاج ليستمر على طريقة تفويج العربات، لا ينقصه إلا عزف مارشات عسكرية.


بعد ساعة ونصف تقريبًا توقفنا في مدينة صغيرة، عند مدخل أشجار الغابة، الغابة التي احتوت مقر إدارة العمليات للجبهة الشرقية حيث كان هتلر يدير عملياته من هناك، وحدثت العملية فالكيري، وهي واحدة من أشهر عمليات الاغتيال الفاشلة، أما المدينة التي اختيرت فهي كيترزين، المدينة التي صارت فيما بعد مقرًا لما عرف بمفوضية الشعب للشؤون الداخلية التابعة لوزارة الداخلية السوفيتية!

لعل هذه المدينة تفسر لك الروح المتداخلة المضطربة تجاه هذين القطبين، ولم تحرمنا المدينة من مفارقة لها علاقة بالإنجليز أيضًا!


أوقفت سيارتي أمام مطعم عائلي في بيت من الحجر والقرميد قديم، ولكن لم أستطع الدفع عند عمود الدفع الخاص بالمواقف أمام البيت، فوجدت عابرًا أصهب في منتصف عمره يحاول ركل غراب حط أمامه، ولكن الغراب الذي ضيع مشيته كالعادة مستمر بإغاظته!


ناديته كي يساعدني في دفع قيمة الموقف، زلوتي واحد فقط، ثم كان هذا الحوار، كأنه من مترجم رخيص:

- هل تجيد الإنجليزية؟

- المفترض!

- أريدك أن تساعدني في دفع قيمة الموقف!

- أنت لا تبدو بولنديًا، من أين أنت؟

- العربية السعودية، وأنت؟

- آيرلندا، هل زرتها؟

- نعم، دوبلن وبلفاست، و ...

- لكن بلفاست في بلد مختلف!

- أيرلندا الشمالية!

- لكنه بلد مختلف!

- ok

- لا تبدأ بهذا؟

- أبدأ بماذا؟

- هذا النقاش حول البلد والأرض والتقسيم، هربت منه منذ عشرين سنة!

- من البلد؟

- من هذا النقاش هربت!

- ok

- أرجوك توقف!

- لكن لم أقل شيئًا، فقط ساعدني في دفع قيمة الموقف!

- لا، لكن أعرف ماذا ستقول، أمة واحدة وبلدين مختلفين!

- سيدي، فقط أحتاج مساعدة بسيطة، لا تجعلني ضائعًا في الترجمة وفي الهوية والتاريخ والمكان أيضًا!

- هل تملك خردة؟ إذا لم تملك، اصبر حتى تصير الرابعة، هنا ليس كالمدن الكبيرة، من بعد الرابعة نصبح مجانية.

وتركني وذهب يصارع الغراب!

دخلت للمطعم عند الرابعة، وقد حط غراب عند المدخل، وما أن اخترنا طاولة في باحة المنزل الخلفية، حتى جاءني شاب يقول: هل معك أي نقود؟ يجب أن تدفع على الأقل زلوتي واحد حتى تقف، وإلا سنحملها على الفاتورة كعشرة زلوتي قيمة موقف!

قلت: هل أنت الغراب الذي كان عند المدخل؟

قال: ما تعني؟

قلت: لا عليك! هذه خمسة زلوتي، اصرفها وخذ قرشًا واحدًا وادفعه للماكينة!

ثم ذهب الغراب، وجاء غراب آخر يحمل قائمة الطعام، كأنه الغراب في حكاية الثعلب الذي يعض على الجبن!

كأن الإنجليز لم يتركوا أحدًا وشأنه، لا الشاي ولا الأوروبيين ولا هذا الآيرلندي المسكين ولا حتى نحن!

انتهينا من الاستراحة وانطلقنا حتى وصلنا إلى وكر الذئب!


عند المدخل تجد بوابة عليها رجلان يقولان لك: ما سبب الزيارة؟ هل ابتعت تذكرة؟ من يرافقك؟ كم ستمضي؟ وغيرها من أسئلة التحقيقات الابتدائية، كل هذا وأكثر وهما يتترسان خلف بوابة خرسانية بها زجاج مثخن وسيارة مصفحة تحمل مدفع رشاش يعود تاريخ صنعه حسب الدمغة لسنة ١٩٣٩ ميلادية!

بعد كل هذا لا يمكنك تجاوز البوابة حتى يعبر قطار التموين، فلا ينتهي عبوره حتى تنتهي من قوة الانتظار، ثم يسمح لك بالعبور حتى منطقة استراحة الضباط، حتى توقف سيارتك هنا وتلج إلى داخل المكان!

عندما نزلنا من السيارة، ومدت يدها إلى الشمسية كي تقينا من المطر، حتى بدأت أسمع أصوات آلات نحاسية وأبواق وأنا أغلق الباب، ثم أصوات جوقة تردد الكلمات التالية:

Auf der Heide blüht ein kleines Blümelein

und das heißt

Erika

Heiß von hunderttausend kleinen Bienelein

wird umschwärmt

Erika

Denn ihr Herz ist voller Süßigkeit,

zarter Duft entströmt dem Blütenkleid

Auf der Heide blüht ein kleines Blümelein

und das heißt

Erika

ثم بدأ كل ذلك الحطام بإعادة التشكل، ليعود كل شيء كما لو كان في حينه، خُيِّل إليّ مرور سيارة الفيوهر بجانبي حتى تلج الكراج القديم قبل أن يدخل إلى غرفة الاجتماعات، رفعت يدي لأنظر لساعتي الرقمية، فوجدتها قد أعيد ضبطها، التاريخ ٢٠ يوليو/تموز ١٩٤٤ الساعة الثانية عشر والنصف ظهراً!

تحس بانبعاث الأرواح تطيف بالمكان، هنا كان تاريخ قبل هذه الساعة وبعدها، وكأنه حلمٌ قديمٌ راودك، كما راود صاحب المكان، كلا يحقق منه غاية يريدها، كان كل شيء يتشكل مع تحرك عقارب الساعة وتحركنا في زوايا الغابة حول الأنقاض التي يعاد بناؤها مع كل دقة لعقرب الثواني كما قال الشاعر:


ليستعيد!

وأي ذكرى يستعيد

أفضائح الأمس القريب أم البعيد؟

في الشرق، في أرض المعابد والكنوزْ

حيث القباب، وحيث آبار الزيوت

يتلاقيان على صعيدْ

وحولهم شعب يموت

ليستعيد!

وأي ذكرى يستعيد؟

واللطخة السوداء في تاريخه الدامي اللعين

كالنار باقية تثير الخوف والحقد الدفين


وما أن وقف عقربا الدقائق والثواني عند الثانية عشرة وأربعين دقيقة، حتى دوى انفجار في المكان، وصافرات الإنذار تصرخ، وعادت كل الأنقاض إلى أماكنها الطبيعية الحقيقية، وكل شيء بدا يدور وكأنه إعصار المنون، ليرتطم رأسي بالطاولة على جبيني، وأرفعه، لأجد زوجي تجر قميصي وتقول: "نمت مجددًا! بطاقتك لا تعمل! أمعك نقود ورقية؟"

قلت: "هاه! أجل معي! ماذا اشتريتِ؟"

قالت: "مغناطيس ثلاجة مكتوب عليه اسم الوكر بالألمانية، قهر ما في شيء عن المكان نفسه إلا هذا!"

قلت: "يلا أحسن من بلاش، على الأقل احتفظنا بذكرى، واحتفظتِ أنتِ بذكرى حديث المؤرخ!"

فتبسمت باستحياء!

وخرجنا من بوابة التحقيق، بعد عدة أسئلة ومساءلات، وقد استعارت معطفي دون أن يتغير موقفي!

فلما تجاوزنا البوابة، وأعدت تعريف هاتفي المحمول على السيارة ونحن عائدون، فجأة صدحت من قائمة الأغاني أغنية: Polyushka Polye Cavalry



تمت






الأحد، 20 يوليو 2025

حلف وارسو

 حلف وارسو



- وين بتسافر هالمرة؟

- بولندا.

- بولندا!

- بولندا!

- وش عندك؟ وش هالمسكة! / شخص آخر من آخر الغرفة: يقولون مب أمان مرة!

- جت على بولندا الأمان الحين؟ همن على طاري المسكات، كانت الخطة أستراليا أو الأرجنتين، لكن بعدين حولت عليها، أبي مكان بارد وقريب!

- ياخي غريب!

- ما غريب إلا الشيطان!


بهذا الحوار الغريب، غير المفيد، ومحاولات الإقناع والتبرير غير مجدية، كان اختيار البلد له وقعه!


في غرفة موازية:

- ليش اخترت بولندا؟

- والله كانت الخطة أستراليا، لكن قلت متى بتجي فرصة نروح بولندا، خل نجرب ديرة جديدة، وشرق أوروبا!

- اللي تشوفه!


غرفة ثالثة متوازية الأضلاع:

- ما شاء الله بولندا! أشوف الشعب هاب فيها، حتى أمي وأبوي هناك!

- والله أدور البراد!

- مب برد مرة تراه، لكن أرحم من مناطق أوروبية كثير، أبوي يقول شمسهم دمار!

- متوقع بس العبرة ببقية اليوم!


ثلاثة حوارات تكشف لك عن حوار رابع باقٍ لم يصرح به بعد.

لكن انتظر! هذه الحوارات الثلاثة كلها تدور في فلك المختلف، والإجابات عنها تدور في فلك المتيقن من الرغبة!


... ... ...


٣٠ حزيران ٢٠٢٥

مطار باراخاس الدولي

الوجهة: مطار تشوبان الدولي


في الانتظار، بدأ جسم غريب بالاقتراب، طائرٌ قديم، لا أبينه لبعد المسافة، لا هو عنقاء ولا هو تنين، أما هو كان يطير بجناحين، ما أن اقترب حتى غلفته الغيوم، كطفل غاص بين وسائد طرية بيضاء.

ثم نودي على الرحلة كي نصعد الطائرة، وعبر الجسر حتى وصلنا إلى مقاعدنا، جلسنا، ولا زلت أنظر لذلك الجسم الغريب الذي تغلفه الغيوم.

ساد هدوء قبيل الإقلاع، تلبد الجو بالغيوم في كل مكان، استحال المكان كما لو كنا حبة قمح على صحن من القطن، ثم بدأت تعصف، وبدأت حركة الرياح تزيد، وكأن الدنيا غير الدنيا، ومع ازدياد حركة الرياح، انكشف جزء مما كنت أظنه مطارًا، ليتبين لي أنها قلعة قديمة، حجرها العتيد مسود كأنه فحم، لكن غطيت سقوف الأبراج والمباني بالقرميد الأحمر، ولا زال الغيم يغطي أسفلها، حينها فقط، زفر الكائن الذي كان بجانبنا، فذهب الغيم الذي كان يحيط بمقدمته قليلًا، خُيِل إلي أني رأيت شيئًا ما كأنه تنين، لكني لم أتبين، حاولت أن أقرب رأسي من النافذة ..... - آخ!


- شفيك!

- مال رأسي وخبط بالشباك، كم لنا طايرين للحين؟

- ساعتين تقريبًا!

- زين ما بقى كثر اللي راح!


حاولت أن أغفو قليلًا، لكن النوم جافاني، وتحسرت على ذلك الحلم الذي لم يكتمل، ففتحت عيني على نشرة إرشادات الطائرة، وجدت قد كتب فيها: في حال خروج النفثالين، ارتدي القناع المتدلي!

أعدت القراءة لأتأكد، في الحقيقة كتب: عند انخفاض الضغط في الطائرة، ارتد قناع الأكسجين المتدلي!

فسكنت خواطري!

التفتت عليّ وقالت: ما لك تقرأ مستغربًا؟

قلت: أتأكد من معلومة!

- وشي الخطة بعد مدريد؟

- بولندا والتشيك، وبنمر على سلوفاكيا!

- يعني بننبسط؟

- أكيد!

- طيب خل نتفق؟ إذا تعبت أو ما قدرت أكمل، تخليني أرتاح؟

- هذا ميثاق؟

- إيه!

- تمام!


وعندما أُضيئت إشارة ربط الأحزمة، جاء المضيف وقال: على السادة الرفاق المستمرين في السفر إلى الجمهوريات المجاورة البقاء في مقاعدهم حتى الرحلة القادمة!


- سيد رفيق! انتظر! هذه الرحلة متجهة إلى وارسو؟

- بالتأكيد يا رفيق!

- ولكن لم كل هذا التنطع؟

- البلاد تمر بأزمة!

- أي أزمة؟

- أزمة ذاكرة! ثم تنهد وقال وهو يزفر: 

إن من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، وإن من يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي!

- حسنًا يا رفيق جورج أوريل، هل هذا كان بيان من وزارة الحقيقة؟!

- أحتاج أن أرى الأوراق إذا سمحت!

- ما .. ماذا؟

خلال هذا استيقظت بسبب ارتطام رأسي بالنافذة، وأنا أرى وارسو من فوق وأتحسس رأسي!


حلمين غير مكتملين في رحلة واحدة، كأن هذه الرحلة في الذاكرة المثقلة هذه المرة، ذاكرة القارئ وذاكرة المؤرخ، ذاكرة الأديب وذاكرة الناس، باختصار: الذاكرة الجمعية!

الرحيل في الذاكرة يشبه الرحيل عبر آلة زمن، مع الفارق أن التنقل يبدو كحلم متقطع، تستذكر منه فقرات، وتنسى فقرات أخرى، وقد تتحفظ على أخرى كي لا يعبرها أحد، كأن هذه التوليفة هي اتفاق سلمي سري بينك وبين نفسك!



وهكذا يكون الحلف، في سماء وارسو، قبل الذهاب إلى التشيك بعشرة أيام تقريبًا!


تمت



الثلاثاء، 15 يوليو 2025

البحث عن سانشو

 البحث عن سانشو


عندما قررت الذهاب إليها، وكأني في موعد غرامي، جلس بجانبي في محطة القطار، رجل عجوز فقير مهلهل الثياب في محطة توشا في مدريد، كان هذا العجوز الوحيد المتهدم منسياً من الناس، منسياً من الزمن، جلس لوحده، أو هكذا ظن، وكأنه ينتظر اليوم الذي سيختفي فيه وحيداً من هذه الدنيا.

اتجه إلى المقطورة التي كنا فيها، في هذه الرحلة إلى مدينة طليطلة، وليس معه إلا ذكريات في قلبه!


مرت فتاة ترتدي خرقة، والتفت بابتسامة وقالت للعجوز:

- قل أيها العجوز، قل إنك تريد أن تشتري بعض السجائر، أرجوك؟

قال -وهو يضحك بخجل-: يا للخزي! أنا في ورطة! لكني مفلس!

قلت لها: هل لديك مرطبات؟ لا بأس بماء؟

جئت لأرفع يدي، فارتطمت بيد العجوز الذي كان يحاول أن يعيد الحقيبة تحت المقعد فسقط كتاب، كان يحمل عنوان: الدون كيخوته!

بدأت أدقق في ملامح هذا العجوز، إذ هو نحيل رغم انتفاخ صدره، أرنبة أنفه بارزة، شارباه ولحيته طويلان، دقيقان عند نهايتهما، إلا أن لحيته، رغم اهتمامه بها، إلا أنها شعثاء قليلًا كلما اقتربت من نهايتها، إلا أن لونهما ليس أصهب ولا أشقر، بل أقرب للبني الذي قد تحسب مع ضوء الشمس أن شقارًا يتخلله، وقد أكل الجدري من خديه كثيرًا.

قلت له: بارفافور سنيوري، ولم أكمل كلامي حتى قال بلهجة عربية مكسرة: إنني أجيد العربية!

قلت: جميل! هذا أفضل! هذا يضيف للرحلة بعدًا آخر!

قال لي: على فكرة، كرسيي عند النافذة، لكن غير مهم، أزعم أنكما تريدان الوقوف على الأطلال!

قلت: وأي أطلال؟ الرحلة كلها أطلال!


وانطلق القطار راشدًا، حتى إذا شارف على بلوغ المحطة، التي قبيل نهر تاجه، حتى تذكرت وصف الحميري لها: "وهي عالية الذرى حسنة البقعة".


نزلت، والخوف بين عيني أن أفقد العجوز الذي مت إن توقف القطار حتى خرج، كما لو أنه تسامى كيميائيًا!


نزلت، فرأيت الذي ورائي أمامي، رأيت المحطة تردد قول نزار: "الزخرفات.. أكاد أسمع نبضه

والزركشات على السقوف تنادي"

فمشيت بلا وعي، وهنالك صوت يناديني: أي أقبل!

فقلت لجميلتي التي مشت معي والشعر لم يلهث، لأنه وإن كان كسنابل، لكن بحصادِ، حتى ندرك ذلك الصوت.


وفي الطريق، وتحت لهيب حر المدينة، رغم برودة الهواء، لم يكل الصوت ولم يمل، ولكن لهيب الحر أنساه قليلاً، حتى أتى صاحب الأجرة الأحمق كي يقلنا، فركبنا لا نلوي على شيء إلا أن نريح أجسادنا حتى منتصف المدينة، الكاثدرائية، أو المسجد الجامع!


نزلنا من سيارة الأجرة، عند ساحة على رأس شارع الكاردينال، ما إن نزلت حتى خُيِّل أمامي علم أحمر، يحمله رجل يرتدي قلنسوة مميزة كأنها قبعة، يلتفت علي وهو يبكي دماً، ينزل العلم، ثم ما إن أغمضت عيني ثم فتحتهما حتى اختفى هو وعلمه، ورفع صاحب الأجرة صوته: العداد ٨ يورو!


- إلى أقبل!

- أتسمعين الصوت؟

- لا!

- هل .. هل تمزحين؟ والرجل الذي كان يبكي ويزيل العلم، كما لو كان .... إيِّي أنسي هذا!

- أصبحت تتخيل الأشياء ثانية!

- ثانية!

- قهوة أو غداء؟

- غداء!


وكلما ذهبنا إلى مكان، كان صاحبه لا ينظفه أو يرممه، حتى اهتدينا إلى مطعم دومينيكا، كأنه دير قديم أو طلل مسجد يئن، لما دخلنا جاءت إلينا ريحانة، تسأل:

أي لغة تجيدون؟

الإنجليزية؟

فقط؟ الفرنسية ربما؟

لا!

الإيطالية؟

لا!

فقط الأنجليزية؟ العربية ربما؟

قلنا بالعربية نعم! اختاري لنا طعامًا حلالًا!

التفت رجل لا نميزه يقول بكلمات لا نفهمها، ثم رمى ورقة وقام!

قالت ريحانة: لا عليك! إنه يهذي! يردد أنه حفيد ابن شوشان صاحب الكنيس ذاك الذي هناك!

- كيف قلتي؟

ريحانة: لا عليك! كل الطعام سيكون كما طلبت!

- وابن شوشان؟

- لم أفهمك!

- ذاك الذي هو .. نا .. اااا! 

لم يكن أحد هناك! كانت الطاولة فارغة!

تبسمت ريحانة وذهبت وهي تقول: ربما حر الشمس!


أكملنا وجبة الغداء، سمك، وشيء من طعام البحر، وجبة كأنها الهذيان، ثم خرجنا نحو الصوت! أعني المسجد الجامع! الكاتدرائية!

في الطريق إليها اشتدت حرارة الشمس، وكأنها تريد أن تقول شيئًا ما.

أنزلت حقيبتي من ظهري، حتى لا يزداد هم الحر هم التعرق، وأسأل نفسي: أين عقل أبي عبدالله الحميري حين قال: "عظيمة القطر، قلما يرى مثلها ..." فوالله قد أكل الحر فروة رأسي حتى كأنه يفور، وشككت لوهلة بشعور كأنه رعاف الأنف!

لكن كما قال ششنند: يد الرب تعمل بطرق خفية! هذه الاستعارات تحضر عندما تحاصرك الكاثوليكية محاصرة ألفونسو لهذه المدينة!

نظللنا بظل غيم هبت بعده نسيم بارد، ليرافقها ابتسامة على محيانا، لنبدأ باستيعاب المكان: المكان الذي بدأ يعود تدريجياً للحظة نزولنا من عند صاحب الأجرة، وكأن كل ما سبق كان سراباً، لعله حر طليطلة!

- سنيوري، سي!

- أنا؟

- سي!

- ما؟

- هل رأيت الدون؟

- أي دون؟

- كيشوت؟

- الذي كان معنا في القطار؟

- ما القطار؟

بدأت أدقق في الرجل إن كان يخالط أو لا، كان قصيراً بديناً لا يستقيم بنطاله على بطنه من عظمتها، أشك لو نغزته أن إصبعي سيغوص، يبدو أنها متصلبة كصخرة، وبنطال متأزم من الرحلة لكثرة الشقوق، وقبعة دائرية.

كان يلهث وهو يتكلم، ثم فجأة سأل أحدهم، ومشى وهو يجر حماره خلفه وهو يقول: روسيو! روسيو!

سألت الرجل: أتعرف الإنجليزية؟ ماذا قال لك؟

قال: سأل عن الناعورة، ثم قال وهو يشد حبل الحمار: لعل الأحمق ذهب ليحاربها!

قلت بدهشة المتيقن: هذا سانشو!

قالت: من سانشو؟

قلت: رفيق العجوز الذي كان معنا في القطار!

قالت: وكيف عرفت؟

قلت: حدس!


خلال ساعتين أو أكثر بعد هذا الحوار، وداخل الكاتدرائية، صاح الصوت من جديد: من هنا، عبر هذا الدرج!

صعدت الدرجات درجة درجة، حتى وجدت نفسي أمام ساعة قديمة مسورة، في داخلها يقف خيال رجل معتم. حاولت أن أحيط بها، لكن السياج الحديدي ينفر من أي راغب بالمكان.

ثم عاد الصوت من عند خيال الرجل: أعرفتني؟

قلت: لا!

قال: هل سمعت بأبي بكر الحديدي؟ وزير بني ذي النون؟ الناس تعرف بني ذي النون، والفاتحين، وملوك المدينة منذ القوط وولاة بني أمية حتى فيليب الثاني الذي تركها وذهب إلى مجريط، ولا يتذكرون من كانوا حولهم أو صنعوا لهم أسماءهم، ليصبحوا كما قيل عندكم: عابرون في كلام عابر!

... ثم بدأ يتلاشى، كأنه يتبخر، وأنا أقول: سأسأل عنك، بين الحميري وعنان،

وما أن اختفى الرجل، حتى سقطت ورقة قريبة مني، نظرت فيها، فإذا قد كتب: اذهب لباب المردوم! ثم اختفت هي الأخرى!


خرجت بكل هدوء، وأنا أتفكر في الذي رأيت، وفي شكل المكان الذي أنا فيه، أهو هو؟

سألتني: ما بك مذهول؟

قلت: لا عليكِ، هل انتهينا؟ إلى باب المردوم الآن!


في الطريق، بدأ حر الشمس يخف قليلًا، ويبتعد الناس من حولنا، ويتسع الطريق، وكأنه يحضرنا لشيء، وعندما أطللت على السياج الزنزاني، إذا بي أرى رجلًا عليه أبهة كالملوك، يحدث رجلًا عليه سمات الأمراء، لا أتبين ملامحهما، كأني سمعت أحدهما يقول للآخر: كيف يطيب لك المكوث هنا، وأنت ترى ما ترى..، ثم لم أتبين بقيته، اقتربت لأستمع، فوجدت الآخر يقول: حسبك! حسبك يا أبا الوليد! حسبك يا قاضي بطليوس!

فلما بلغت ناصية الشارع، تلاشيا كما يتلاشى السراب، طفقت أبحث عن من أسأل، أكان الذي رأيت حقيقة أم وهمًا، وخلفي حلوتي تنادي: انتظر، إنه يريد أن يكلمك!

التفت خلفي فإذا بالعجوز رفيق القطار، فلما دنوت منه قال: يبدو أنك تعرف المدينة مثلي، ذكرني، أتعرف طريق Artesanía Morales أو Talleres de Artesanía؟

- أتريد سيفًا دمشقيًا؟

- لا بل درعًا ورمحًا، تلك الناعورة القديمة أزعجتني!

- سألته -وأنا أنظر إليه باستغراب- هل رأيت سانشو؟

- ولا حتى روسيو!

- ظننتك تريد تجربة الدمسقنة؟

- هل هذه نُقحرة؟

- بقي ابن بسام أن يقول: ثم ضحك الوالي وقطع رأسه!

 - طيب، تمام، سعدت بلقائك! Bye!


ثم مشى حتى نهاية الطريق قبيل القوس، فمر به ذلك البدين يشد حماره، ثم انصرفا!

أما نحن، فدخلنا ما بقي من المسجد، عند ساحته التي توسطتها نافورة، وقد علق على محرابه صليب، وأغنية لما بدا يتثنى تصدح!

اكتفينا بلقطة تذكارية تشوبها غصة، غصة لا ندري أين منبعها، هذه الجدران التي تصرخ، أو المواقف الغرائبية، أو حتى حر الشمس اللاذع كأنه السياط!

خرجنا وهي تقول: "خلاص! ليس من الضروري تمسح المدينة بأكملها كعقاري! دعنا نعود! لابد أن نعود، أليس كذلك؟"

قلت لها: "العودة لابد منها على كل حال، لكن إلى أين نعود؟"

قالت: "ماذا تقصد؟"

ضحكت، ومسكتها بيدي حتى محطة سيارات الأجرة لتقلنا إلى محطة القطار.

وأثناء الانتظار الذي خُلِقَ في المحطات والمطارات، جلسنا ننتظر نداء الرحلة، لكن النداء تأخر، ثم حدثت جلبة، وأتى رجال من الشرطة والإسعاف معًا، نزلوا إلى وسط السكة وتقدموا قليلًا...

بعد نصف ساعة جاء الإعلان التالي:

"إن المسافرين على رحلة السادسة عصرًا -حيث غروب الشمس حوالي العاشرة مساءً- الانتظار حتى السابعة، بسبب عطل في القطار القادم، فقد دهس رجل يحاول الانتحار!"


انتظرنا حتى حان الوقت، ودخلنا المقطورة أخيرًا.

وجلسنا بجوار بعضنا، ثم قبيل الانطلاق، جاء أمامنا رجل بلحية بنية مثلثة، وشوارب تدلت منها، كأنها مرسومة، يسرح شعره كله للخلف، حتى يتناسب مع جبينه الذي به صلع خفيف.

ابتسم ابتسامة المجاملة ولم يقل شيئًا!

تحرك القطار ..

توت .. توت ..

مررنا بجانب الناعورة، كان لا يزال رجال الشرطة والإسعاف هناك، الشرطة تحقق مع رجل بدين، والإسعاف يرفعون مِدرعًا مخضبًا بالدم، وحمارٌ يسير بعيدًا عنهم ...

عندها قال الرجل الذي أمامنا: ¡Oh, Don Quijote, desventurado caballero! ¡Al fin has dejado solo a Sancho, tu fiel escudero!


سألته عن طريق ترجمة الشيخ قوقل، ما اسمك؟

قال: Cide Hamete Benengeli


ثم مضى فينا، كأننا كنا ندون فصلًا جديدًا من الحكاية!


تمت


الثلاثاء، 8 يوليو 2025

فيكي كرستينا برشلونة - رحلة مدريد!


أيهما أجمل عندك؟ برشلونة أم مدريد؟ - فيكي تسأل كرستينا!
كليهما جميل، الأولى حياتها الليلية أجمل، والثانية حياتها النهارية أحلى، الأولى شبابية أكثر، والثانية عائلية أفضل، مدريد مثل إزميرالدا فيكتور هوجو لا هي تمنحك ولا هي تمنعك، أما برشلونة كأحد نسوة يوسف، تقول: هيت لك! - كرستينا تجيب فيكي!

- صدقًا قالا هذا؟
- لا! الفيلم كان في جهة ثانية غير، تعرفين وودي آلين وكذا!

هكذا كان الحوار بينهما، على العكس من رحلة برشلونة، كان المشترك بين المدينتين أنهما محطة عبور لأمكنة أخرى في إيبيريا أو أوروبا، العاصمة الأوروبية الوحيدة التي بناها المسلمون!

في مدريد، لا تشعر بغربة، لكن أيضًا لا تتردد لك أغنية قديمة، لا جورجيت صايغ ولا غيرها، ومع ذلك تشعر أن كل طيف في المكان ينبعث حتى يكاد يناديك باسمك!
وربما أتاك هاتف قديم، من ذلك المغني الخالد القديم، يغني لفلاح منكوب، أغنية فلامنكو تذكر بما صار إليه بعد غابر السنين، بصوت يملؤه الشجن لملوك أصبحوا كالغجر، وقد كانوا ملء السمع والبصر.

بين الناس ووسط الطرقات وداخل عربات النقل، كالغريب في بيته، يتملكهم فضول القلق يغلفه سؤال الهوية الملعون محليًا: هل عرفنا من نحن؟
ويستغرق هذا السؤال طوال الرحلة، وعند نهر مانزاناريس، عند جسر طليطلة تحديدًا، يخيل إليك ذلك البحار العجوز المخمور رث الثياب، بذاكرة مثقلة، فتستجلب أنك من ذاكرتك البياتي وهو يعنيه:
في أخريات الليل، والبحر الغضوب
ورفاقه المتآمرون
عما قريب يقلعون، ويتركون
هذا العجوز
للخمر والدم والضباب
والنوم والحان الصغير

فهل جلبت لكِ مدريد أي ذكريات؟
فيكي؟
كريستينا؟

تمت

الخميس، 26 يونيو 2025

محاولة لفهم سينما ويس أندرسون

 كيف نفهم سينما ويس أندرسون؟


تردد مؤخرًا كثير من التململ حول طريقة وثيمة وأسلوب ويس أندرسون في الإخراج بين متابعيه، وكأن لزامًا على المخرج أن يكون كل فيلم له قائم بذاته مستقل فيه تباين شديد، ومن المعيب أن يكون للمخرج طريقة واحدة ثابتة يلتزمها في تقديم موضوعاته بطريقة إبداعية.


بهذا المعيار، نستطيع أن نقول إن هاياو ميازاكي يعاني من ذات الدائرة المغلقة: بطل طفل وعالم غرائبي وحدث يقلب القصة رأسًا على عقب ونهاية سعيدة.

وقس على هذا مبدعين كثر، العوالم السفيلة ذات الأخلاق المعيارية عند سكورسيزي، الحوارات المطولة الفارغة عند تارانتينو، خطابات ستانلي كوبريك السياسية، سينما أوليفر ستون الموجهة، وغيرها وغيرها.


وهذا يجعل سؤالين يبرزان:

الأول: كيف نحاكم مبدعًا؟

كيف نفهم إبداعه؟

ونبدأ بالأول:

كيف نحاكم مبدعًا ما على ما يطرحه من أفكار؟

أنت لا تستطيع أن تحاكم مبدعًا ما على أي أفكار يطرحها لك من خلال عمل فني ما، لكنك تحاكم المنتج الذي أخرج لك به هذه الأفكار!

بمعنى:

- أنت لا تستطيع أن تؤنب ويس أندرسون لأنه يركز تارةً على الخيال الفني أو على البعد الثنائي لشخصياته أو أنه يتكلم عن الأحداث العابرة للشخوص...إلخ ويركز على جانب دون آخر؛ فهذه أفكاره هو أراد أن يناقشك بها ويتعاطى معك حولها بطريقة إبداعية جمالية، فإما أن تقبلها أو ترفضها أو تدخل معه في سجال.

- بالمقابل، تستطيع أن تقول له، لمَ استخدمت طريقة سبيلبيرغ التي تعتمد على الإبهار البصري في إخراج هذا المشهد الحواري، ولم تستخدم طريقة كوروساوا المسرحية في إخراج ذات المشهد.


في الثانية أنت تنتقد طريقة عرض المحتوى، أما المحتوى فأنت تتناقش فيه، وبين الاثنين بون شاسع!


المبدع عندما يطرح أسئلته ورؤاه عبر شكل فني معين، فهو ينتظر شيئين من المتلقي معاً - ( سواء أكان هذا المتلقي مشاهداً أو ناقداً ) - :

تعاطيك مع الأفكار ( الفكري منها والفني ) & نقدك لأسلوب الطرح ( في الشكل والمضمون )


والملاحظ على كل نقاشاتنا حول أعماله من تفضيل أو تحبيذ أو ذم فجلّه إن لم يكن كله يحوم حول حمى الشكل الذي يعتبر دوماً أنه مكرر أو غير تجديدي، وليس في سياق محاولة فهم أو تفكيك أو تفسير الشكل الذي أفرز لنا هذه الصورة!

المبدعون في الفنون ليسوا ككتاب الصحف!

لا ينتظرون آراءنا فيما يطرحون من فكر، ولا تقييمنا لها، بل ينتظرون تعاطينا مع الفكرة، وتقليبها وإثارة أسئلة جديدة عن طريقها!

أما كاتب الصحيفة كالسائس على مكتبه، وكخطيب الجمعة على المنبر، دائماً يكونون مهمومين في شكل التقديم لإيصال الفكرة، كي لا يمل المتلقي.


أما السؤال للثاني: كيف نفهم إبداعه؟

هنالك عدة اتجاهات:

١/ تجاه التأثر الشخصي، ولنأخذ مثلاً ثيمتين أو لونين يتكرران كثيراً في أفلامه: الكوميديا وعوالم الأفلام.

الكوميديا عند ويس تتعلق بالموقف الساخر أو التعليق الساخر، والتي نجدها كثيراً في أفلام وودي آلان، الذي يعتبر امتداداً للكبير تشابلن.

ولهذا، الصورة الممسرحة تخدم هذا الغرض، وطريقة سرد الحوار المونولوجية تخدمه كذلك، ولهذا تستحضر فوراً أفلاماً مثل أضواء المدينة أو ألعبها مرة أخرى يا سام، هذا الشكل من الكوميديا طاغٍ لدى ويس.


أما عوالم أفلام ويس شديدة التميز والخصوصية، قد تستصعب الولوج إليها، لكنك تكره الخروج منها، مثل عالم أليس للويس كارول.

هنا نستذكر مخرجاً تجد عنده هذا العالم المميز، سواء على صعيد الصورة، الألوان، الموسيقى، الأداء التمثيلي، وإن لم تشعر بارتياح تجاه أعماله.

رومان بولانسكي في أفلام مثل "الحي الصيني" كان عودة لأفلام النوار في فترة تركت هذه الأفلام بريقها، أو حتى التلقائية السهل الممتنع التي ظهر بها "ماكبث".

ترى ممثلين تعرفهم كأنك تراهم أول مرة، لحظات استثنائية تعلق في الذاكرة، ألبسة عابرة لإطار الصورة، وغيرها من المظاهر التي تجدها في سينما شرق أوروبا التي تخلص للحالة.

٢/ الموسيقى التصويرية، كحالة مخرجين كثر، الغاية من استخدام الأغنية أو الموسيقى محددة في ذات اللحن المختار أو الأغنية.

مثلًا، ظهور أغنية "بانغ بانغ" في فيلم "اقتل بيل"، أو مثلًا أغنية "الرجل الذي باع العالم" في لعبة "ميتال جير سوليد" أو غيرها من الأمثلة، هذه الاختيارات ليست عبثية، حيث إنها إعادة توظيف لمعنى آخر متجرد تعيد توظيفه داخل العمل الخاص بك، مثلما تجد في القصيدة معانٍ أخرى تعيد توظيفها.

كما يصنع الشاعر نفسه أو مخرج الفيلم رمزية جديدة من معنى يحمل معنى آخر، وهذا هو ذاته ما يصنعه ويس في أفلامه، مع الوقت تصبح هذه الموسيقى أو الأغنية لا تُذكر إلا بهذا العمل، وكأنها أُلفت خصيصًا لهذا العمل، ولهذا العمل فحسب، وبالتالي يستطيع توظيف كل المعاني الممكنة من خلالها وكأنها تخصه.

٣/ البعد الإبداعي الجديد، إذا صح التعبير، حيث إنه يقدم هذه الأفكار بطريقة غير مباشرة ويبعثرها وعليك أنت تجميع الصورة، من خلال التوحد مع الصورة أو الفكرة، ولكي تتضح الفكرة أكثر، لنأخذ مثلًا فيلم بليد رانر لريدلي سكوت، كيف أنه قدم فكرة الدستوبيا في شكل فيلم ملحمي.

أو حتى مثلًا سيرجيو ليوني في أفلامه الخاصة بالغرب الأمريكي، فهي عوالم جريمة خاصة، كأنها عوالم سكورسيزي، لكن لها قوانينها الخاصة من الغدر والخيانة واستغلال الفرصة، والتي لا تجدها في أفلام الغرب الأمريكي التقليدية.


أتصور هذه أبرز ثلاث محددات تساعدنا على فهم والتمتع بسينما ويس أندرسون.



ختامًا: لا ضير أن يكون للمخرج أو للمبدع أسلوبية خاصة فيه أو مدرسة أو مذهب يختص به ويستمر في تقديمه والترويج له، لكن العبرة في جودة ما يقدم وتماسكه.


أ.هـ


الاثنين، 5 مايو 2025

تحريتك - الليلة الأولى،،

 تحريتك


في تلك الليلة التي غاب عنها طويلا، في رحلة عمل قُطِّعَ بها كل سبل الاتصال، كان آخر ما سمعت منه قوله: "عسى الله يردك بالسلامه وتسلم لي يا حلو المعاني"

خرج في تلك الليلة، يلف الرصيف شيء اشبه بالضباب، فالمدينة كانت ولا زالت ميناء، تطل من نهاية الرصيف بقايا قلعة قديمة كأنها منارة، أو هكذا خيل إليه، وكأنه يستعيد صورة قديمة ظلت أثيرة عنده، تتدفق الى ذاكرته تدفق الدم في عروقه.

توت توت .. توت توت  .. على محطة القطار!
من ميناء بحري إلى  ميناء جاف!
وولج الى المقصورة، ولوج الطفل الى متحف لأول مرة!
بجانب النافذة الزجاجية، وجعل يرقب!
ثم اسند رأسه إليها، وعادت الصورة للتدفق من جديد!

"بس مر علينا"

ثم استيقظ سريعا، فالمكان هُوَ هُوْ! لكن لعله حلما اعتراه سريعا.
حمل جهازه المحمول، وبدأ يفتش على أغنية قديمة، وارتدى السماعات، وغفى وهو مبتسم طوال الرحلة!

وهناك، في تلك الغرفة البعيدة، داخل ذلك البيت العتيق، المحفوف بالذكريات في كل زاوية من زواياه، كانت مضطجعة على ظهرها، تلعب بيدها اليسرى بخصلة شعرها، وبيدها اليمنى كتاب، من تلك الكتب الكثيرة في غرفة المكتبة هذه، لا تدري ما هو ولا حتى العنوان، اهو ديوان شعري ام رواية، او حتى بحث، غير مهم، لكنها تريد ان تتحسس وجوده، اذ ان روحه تطيف في هذا المكان.
وهي على هذه الحال، كانت تتمتم:
"سلم على الي يهواك، ما اقدر بلياك لحظة أصبر، الدنيا ما تسوى والله ما تسوى"
ثم القت يدها اليمنى وسقط الكتاب خلفها، واستسلمت لسلطان النوم.

توت توت .. توت توت .. محطة التوقف!
تلقف هاتفه المحمول، وفتح المفكرة، وأنشأ يقول:
"خفت أن تهربين من بين هذه الاغنيات، أنتي أملي في العودة، فركبتي قطار الخليفة، حتى يأتي بك صالحا!"
ثم ترك هاتفه على طاولة الكرسي، كي يدرك الصلاة!

وعند صلاة الفجر، حتى شهرزاد تسكت عن الكلام المباح!


الليلة الأولى ،،،

الثلاثاء، 22 أبريل 2025

عندما عاد من جبهة القتال

 عاد

عاد كالفجر، ينير الطريق لكل الذين يستيقظون فجرا كي ينير الضوء طريقهم

عاد

ولم يعد معه بقيته!


كلما فكر في الحديث، تمنعه بحجج مختلفه، وكأنها تريد لهذا النور المنبثق من الفجر ان لا ينهمر، ان جاز فيه هذا القول.

انسي هذا، هذا لن يكون، لكنه يتوارى كي يبقي من بقايا هيبة الظلال كي يتوارى فيها كل حزين، وكأن الظلمة دوما هي مبعث النور، كلحظة الولادة الرحم، يرى فيها الطفل نوره الاول!


اذا ما الغاية؟ مجرد خربشات؟

لا ادري!

الأربعاء، 12 مارس 2025

جاري المصري


"تحت الدرج، البيت الله يسترك!"

"تحت بيت الدرج!"

"لأ، أقصدي الشقة، تحت الدرج، البيت يا حضرت!"

"أي، فهمتك!"


هذا أول حوار بيني وبينه، المهندس أحمد ابن عم أبي أحمد، وهذا الاسم الذي بدأ كأنه لغز: معك أحمد ابن أبو أحمد!


جاء الحوار بعدما وقف سيارته خلف سيارة سائق أمي، فقال: لو كنت أعرف أن هذا سائق حضرتك، ما كان كل هذا حصل!


طيب، ماذا الذي حصل؟


كنت عائداً من العمل حينها، وأستعد لاستقبال أهلي من المطار. وفي طريق العودة، كان سائق العائلة قد وصل وتوقف عند أقرب موقف غير مشغول بسيارة، ينتظرني وأخي كي نحمل الأمتعة معه.

ما يميز هذا الموقف المختار للسيارة أنه بجانب المدخل الرئيسي للبناء، مريح في صعود ونزول العمالة المنزلية في حال حمل الأمتعة أو تنزيلها.

وبعد العناق ولحظة جمع الشمل، إذا بالسائق يقول: تعال هنا، في نفر مصري جنجال!


أنا لا إرادياً تصورت المشهد، ولم تسبق لي ملاقاته سابقاً، وكنت قبل ذلك بيوم أو يومين، جلبت ذبيحة كاملة للمنزل استعداداً للشهر الكريم، فما كان مني إلا أن أخذت معلاق الذبيحة كاملاً مع الرأس، ونزلت لجاري، وإذا هو أمامي:

- هلا يا جار!

- أهلاً، اي دا كله!

- واللهي كل سنة وأنتم طيبين، واحنا ذابحين للشهر، وقلت لازم أطعمكم منها، وأنتم المصريين تحبون الكبدة ولحم الرأس واللزي منه! وغمزت له!

- لا والله، ملوش لزمة، بتحرجني كده، نردها لكم بالأفراح!

- تحت الدرج البيت، الله يسترك!

- تحت بيت الدرج!

- لأ، أقصدي الشقة، تحت الدرج، البيت يا حضرت!

- أي فهمتك! هذا سائق أمي، الوالدة جايتنا وتخبرنا لازم نخليه قريبًا، ونريحها، وقلنا نمون عليك.

- ولو، بالخدمة، كنت عارف أن ده سائق حضرتك، ما كانش كل ده حصل! خلي رقمي عندك، والبيت بيتك، أي حاجة إحنا بالخدمة!

- تسلم، اسمك الكريم إيه؟

- مهندس أحمد ابن عم أبو أحمد!

- عم أحمد؟ جارنا اللي كان عنده دكان العطارة اللي قبالنا؟

- هو بِجلالة قدره!

- والله أبرك الساعات، لازم نشوفه!

- ضروري، عندي بإذن الله، أستاذ؟

- رعد!

- بإذن الله أستاذ رعد!


وافترقنا ونحن نضحك على صغر هذه الدنيا التي تجمع الأحباب والأضداد.


جاري المصري، علاقتي معه لا تزخر بمواقف كثيرة، لكنها تزخر بحوارات وسواليف أو كما يقول المصريون: رغي! وعمليات تشبه "النفط مقابل الغذاء"، لعب الطاولة مثلاً في المناسبات الدورية، وصوت ملاعق الشاي وهي تزف لحناً داخل الفناجين الزجاجية: "حاجة عجيبة"!


دائماً ما أصادفه أول النهار أو نهايته، إما ذاهباً للعمل بحقيبته، أو عائداً من العمل بأكياس الخضرة والفاكهة الورقية، وتكون الحوارات سريعة من قبيل: "كيفك؟ تحتاج شيئاً؟" أو "صباح الخير، الله يسترك!".



وَالبلبل إذا غنى على ورق الفل، يقول: "سهران معكم الليلة للصبح ليس إلا".



تمت


الأربعاء، 19 فبراير 2025

حوار الفجر مع رؤى

صوت عصفور يشدو،

ومؤذنٌ انتهى من أذانه الثاني،

وحمامةٌ حائرةٌ كحمامة أبي فراس،

وكاتبٌ يكتب هذه الأسطر،

وسيارةٌ عتيقةٌ مسرعةٌ في طريقٍ خططه سلفاً،

لا أدري إلى أين سيفضي بي هذا النص.


كانت هناك رغبةٌ دفينةٌ ممتدةٌ منذ دخول هذه السنة لكتابة نصٍّ ما، تبعثرت وسط زحام الأيام وأحاديث الأصدقاء ونزوات النفس، والتزامات الأهل، لكن هذه الأسطر يجب أن تولد حتى لو لم تكن مفهومةً!

كاتبٌ يعيش على صوت نقر حروف آلة الكتابة، ينزف حبراً ويرشح أفكاراً، يعيد الورقة تلو الأخرى للآلة، ولأرق رفيقه الأوحد القريب منه قرب حبل الوريد!

كمصابٍ بربو، يبحث عن بخاخ الفنتولين كي يوسع شُعبه الهوائية، هكذا هو قلم هذا الكاتب، يساعد في عملية فصد الأفكار، فيُثريها، كعازفٍ يمرر الريشة بعبثية على أوتار العود، لعل لحناً ما يعبر من بينها...


يضع يده اليسرى -هذا الكاتب- على صدغه الأيسر وهو يبسطها على بقية رأسه متكئةً على وسادةٍ أسندها على فخذه الأيسر، ومتأملاً...


-"أين أنتِ؟"


تجيبه من بعيد:"لم تَـهجُرني؟"

يقابلها بابتسامة، ثم يناديها، فتأتيه، لتجلس في حضنه وتقول: "حاول ألا تتركني، أرسل لي مع هذا الصقر وهذه الحمامة، وأجل لكل فرض ميقاتًا لك كي تتذكرني كتابةً".


قد شغفتِ حبًا والله، رؤى!

الشغف هو أن تولعَ ولعًا بشيء تكاد تحترق من أجله!

أن يكون ما تعشق هو حياتك ولا سواها!

أن تشعر أن شغاف قلبك تكاد تتقطع من مكانها فينتفخ صدرك لوعة لا خوفًا!

وكُلٌّ فيما يعشق يهيم!

ولا ما قال أبو نواس إن حامله تعب!

كحالِي مع الكتابة، ورؤى ابنةٌ من بنات أفكاري، فلو كانت لهمت بها، فما حالكم أنتم؟



تمت

فجرًا

في صومعتي

الساعة الخامسة والنصف من فجر الأربعاء

التاسع عشر من شباط

العشرون من شعبان

١٤٤٦ للهجرة

٢٠٢٥ للميلاد