البحث عن سانشو
عندما قررت الذهاب إليها، وكأني في موعد غرامي، جلس بجانبي في محطة القطار، رجل عجوز فقير مهلهل الثياب في محطة توشا في مدريد، كان هذا العجوز الوحيد المتهدم منسياً من الناس، منسياً من الزمن، جلس لوحده، أو هكذا ظن، وكأنه ينتظر اليوم الذي سيختفي فيه وحيداً من هذه الدنيا.
اتجه إلى المقطورة التي كنا فيها، في هذه الرحلة إلى مدينة طليطلة، وليس معه إلا ذكريات في قلبه!
مرت فتاة ترتدي خرقة، والتفت بابتسامة وقالت للعجوز:
- قل أيها العجوز، قل إنك تريد أن تشتري بعض السجائر، أرجوك؟
قال -وهو يضحك بخجل-: يا للخزي! أنا في ورطة! لكني مفلس!
قلت لها: هل لديك مرطبات؟ لا بأس بماء؟
جئت لأرفع يدي، فارتطمت بيد العجوز الذي كان يحاول أن يعيد الحقيبة تحت المقعد فسقط كتاب، كان يحمل عنوان: الدون كيخوته!
بدأت أدقق في ملامح هذا العجوز، إذ هو نحيل رغم انتفاخ صدره، أرنبة أنفه بارزة، شارباه ولحيته طويلان، دقيقان عند نهايتهما، إلا أن لحيته، رغم اهتمامه بها، إلا أنها شعثاء قليلًا كلما اقتربت من نهايتها، إلا أن لونهما ليس أصهب ولا أشقر، بل أقرب للبني الذي قد تحسب مع ضوء الشمس أن شقارًا يتخلله، وقد أكل الجدري من خديه كثيرًا.
قلت له: بارفافور سنيوري، ولم أكمل كلامي حتى قال بلهجة عربية مكسرة: إنني أجيد العربية!
قلت: جميل! هذا أفضل! هذا يضيف للرحلة بعدًا آخر!
قال لي: على فكرة، كرسيي عند النافذة، لكن غير مهم، أزعم أنكما تريدان الوقوف على الأطلال!
قلت: وأي أطلال؟ الرحلة كلها أطلال!
وانطلق القطار راشدًا، حتى إذا شارف على بلوغ المحطة، التي قبيل نهر تاجه، حتى تذكرت وصف الحميري لها: "وهي عالية الذرى حسنة البقعة".
نزلت، والخوف بين عيني أن أفقد العجوز الذي مت إن توقف القطار حتى خرج، كما لو أنه تسامى كيميائيًا!
نزلت، فرأيت الذي ورائي أمامي، رأيت المحطة تردد قول نزار: "الزخرفات.. أكاد أسمع نبضه
والزركشات على السقوف تنادي"
فمشيت بلا وعي، وهنالك صوت يناديني: أي أقبل!
فقلت لجميلتي التي مشت معي والشعر لم يلهث، لأنه وإن كان كسنابل، لكن بحصادِ، حتى ندرك ذلك الصوت.
وفي الطريق، وتحت لهيب حر المدينة، رغم برودة الهواء، لم يكل الصوت ولم يمل، ولكن لهيب الحر أنساه قليلاً، حتى أتى صاحب الأجرة الأحمق كي يقلنا، فركبنا لا نلوي على شيء إلا أن نريح أجسادنا حتى منتصف المدينة، الكاثدرائية، أو المسجد الجامع!
نزلنا من سيارة الأجرة، عند ساحة على رأس شارع الكاردينال، ما إن نزلت حتى خُيِّل أمامي علم أحمر، يحمله رجل يرتدي قلنسوة مميزة كأنها قبعة، يلتفت علي وهو يبكي دماً، ينزل العلم، ثم ما إن أغمضت عيني ثم فتحتهما حتى اختفى هو وعلمه، ورفع صاحب الأجرة صوته: العداد ٨ يورو!
- إلى أقبل!
- أتسمعين الصوت؟
- لا!
- هل .. هل تمزحين؟ والرجل الذي كان يبكي ويزيل العلم، كما لو كان .... إيِّي أنسي هذا!
- أصبحت تتخيل الأشياء ثانية!
- ثانية!
- قهوة أو غداء؟
- غداء!
وكلما ذهبنا إلى مكان، كان صاحبه لا ينظفه أو يرممه، حتى اهتدينا إلى مطعم دومينيكا، كأنه دير قديم أو طلل مسجد يئن، لما دخلنا جاءت إلينا ريحانة، تسأل:
أي لغة تجيدون؟
الإنجليزية؟
فقط؟ الفرنسية ربما؟
لا!
الإيطالية؟
لا!
فقط الأنجليزية؟ العربية ربما؟
قلنا بالعربية نعم! اختاري لنا طعامًا حلالًا!
التفت رجل لا نميزه يقول بكلمات لا نفهمها، ثم رمى ورقة وقام!
قالت ريحانة: لا عليك! إنه يهذي! يردد أنه حفيد ابن شوشان صاحب الكنيس ذاك الذي هناك!
- كيف قلتي؟
ريحانة: لا عليك! كل الطعام سيكون كما طلبت!
- وابن شوشان؟
- لم أفهمك!
- ذاك الذي هو .. نا .. اااا!
لم يكن أحد هناك! كانت الطاولة فارغة!
تبسمت ريحانة وذهبت وهي تقول: ربما حر الشمس!
أكملنا وجبة الغداء، سمك، وشيء من طعام البحر، وجبة كأنها الهذيان، ثم خرجنا نحو الصوت! أعني المسجد الجامع! الكاتدرائية!
في الطريق إليها اشتدت حرارة الشمس، وكأنها تريد أن تقول شيئًا ما.
أنزلت حقيبتي من ظهري، حتى لا يزداد هم الحر هم التعرق، وأسأل نفسي: أين عقل أبي عبدالله الحميري حين قال: "عظيمة القطر، قلما يرى مثلها ..." فوالله قد أكل الحر فروة رأسي حتى كأنه يفور، وشككت لوهلة بشعور كأنه رعاف الأنف!
لكن كما قال ششنند: يد الرب تعمل بطرق خفية! هذه الاستعارات تحضر عندما تحاصرك الكاثوليكية محاصرة ألفونسو لهذه المدينة!
نظللنا بظل غيم هبت بعده نسيم بارد، ليرافقها ابتسامة على محيانا، لنبدأ باستيعاب المكان: المكان الذي بدأ يعود تدريجياً للحظة نزولنا من عند صاحب الأجرة، وكأن كل ما سبق كان سراباً، لعله حر طليطلة!
- سنيوري، سي!
- أنا؟
- سي!
- ما؟
- هل رأيت الدون؟
- أي دون؟
- كيشوت؟
- الذي كان معنا في القطار؟
- ما القطار؟
بدأت أدقق في الرجل إن كان يخالط أو لا، كان قصيراً بديناً لا يستقيم بنطاله على بطنه من عظمتها، أشك لو نغزته أن إصبعي سيغوص، يبدو أنها متصلبة كصخرة، وبنطال متأزم من الرحلة لكثرة الشقوق، وقبعة دائرية.
كان يلهث وهو يتكلم، ثم فجأة سأل أحدهم، ومشى وهو يجر حماره خلفه وهو يقول: روسيو! روسيو!
سألت الرجل: أتعرف الإنجليزية؟ ماذا قال لك؟
قال: سأل عن الناعورة، ثم قال وهو يشد حبل الحمار: لعل الأحمق ذهب ليحاربها!
قلت بدهشة المتيقن: هذا سانشو!
قالت: من سانشو؟
قلت: رفيق العجوز الذي كان معنا في القطار!
قالت: وكيف عرفت؟
قلت: حدس!
خلال ساعتين أو أكثر بعد هذا الحوار، وداخل الكاتدرائية، صاح الصوت من جديد: من هنا، عبر هذا الدرج!
صعدت الدرجات درجة درجة، حتى وجدت نفسي أمام ساعة قديمة مسورة، في داخلها يقف خيال رجل معتم. حاولت أن أحيط بها، لكن السياج الحديدي ينفر من أي راغب بالمكان.
ثم عاد الصوت من عند خيال الرجل: أعرفتني؟
قلت: لا!
قال: هل سمعت بأبي بكر الحديدي؟ وزير بني ذي النون؟ الناس تعرف بني ذي النون، والفاتحين، وملوك المدينة منذ القوط وولاة بني أمية حتى فيليب الثاني الذي تركها وذهب إلى مجريط، ولا يتذكرون من كانوا حولهم أو صنعوا لهم أسماءهم، ليصبحوا كما قيل عندكم: عابرون في كلام عابر!
... ثم بدأ يتلاشى، كأنه يتبخر، وأنا أقول: سأسأل عنك، بين الحميري وعنان،
وما أن اختفى الرجل، حتى سقطت ورقة قريبة مني، نظرت فيها، فإذا قد كتب: اذهب لباب المردوم! ثم اختفت هي الأخرى!
خرجت بكل هدوء، وأنا أتفكر في الذي رأيت، وفي شكل المكان الذي أنا فيه، أهو هو؟
سألتني: ما بك مذهول؟
قلت: لا عليكِ، هل انتهينا؟ إلى باب المردوم الآن!
في الطريق، بدأ حر الشمس يخف قليلًا، ويبتعد الناس من حولنا، ويتسع الطريق، وكأنه يحضرنا لشيء، وعندما أطللت على السياج الزنزاني، إذا بي أرى رجلًا عليه أبهة كالملوك، يحدث رجلًا عليه سمات الأمراء، لا أتبين ملامحهما، كأني سمعت أحدهما يقول للآخر: كيف يطيب لك المكوث هنا، وأنت ترى ما ترى..، ثم لم أتبين بقيته، اقتربت لأستمع، فوجدت الآخر يقول: حسبك! حسبك يا أبا الوليد! حسبك يا قاضي بطليوس!
فلما بلغت ناصية الشارع، تلاشيا كما يتلاشى السراب، طفقت أبحث عن من أسأل، أكان الذي رأيت حقيقة أم وهمًا، وخلفي حلوتي تنادي: انتظر، إنه يريد أن يكلمك!
التفت خلفي فإذا بالعجوز رفيق القطار، فلما دنوت منه قال: يبدو أنك تعرف المدينة مثلي، ذكرني، أتعرف طريق Artesanía Morales أو Talleres de Artesanía؟
- أتريد سيفًا دمشقيًا؟
- لا بل درعًا ورمحًا، تلك الناعورة القديمة أزعجتني!
- سألته -وأنا أنظر إليه باستغراب- هل رأيت سانشو؟
- ولا حتى روسيو!
- ظننتك تريد تجربة الدمسقنة؟
- هل هذه نُقحرة؟
- بقي ابن بسام أن يقول: ثم ضحك الوالي وقطع رأسه!
- طيب، تمام، سعدت بلقائك! Bye!
ثم مشى حتى نهاية الطريق قبيل القوس، فمر به ذلك البدين يشد حماره، ثم انصرفا!
أما نحن، فدخلنا ما بقي من المسجد، عند ساحته التي توسطتها نافورة، وقد علق على محرابه صليب، وأغنية لما بدا يتثنى تصدح!
اكتفينا بلقطة تذكارية تشوبها غصة، غصة لا ندري أين منبعها، هذه الجدران التي تصرخ، أو المواقف الغرائبية، أو حتى حر الشمس اللاذع كأنه السياط!
خرجنا وهي تقول: "خلاص! ليس من الضروري تمسح المدينة بأكملها كعقاري! دعنا نعود! لابد أن نعود، أليس كذلك؟"
قلت لها: "العودة لابد منها على كل حال، لكن إلى أين نعود؟"
قالت: "ماذا تقصد؟"
ضحكت، ومسكتها بيدي حتى محطة سيارات الأجرة لتقلنا إلى محطة القطار.
وأثناء الانتظار الذي خُلِقَ في المحطات والمطارات، جلسنا ننتظر نداء الرحلة، لكن النداء تأخر، ثم حدثت جلبة، وأتى رجال من الشرطة والإسعاف معًا، نزلوا إلى وسط السكة وتقدموا قليلًا...
بعد نصف ساعة جاء الإعلان التالي:
"إن المسافرين على رحلة السادسة عصرًا -حيث غروب الشمس حوالي العاشرة مساءً- الانتظار حتى السابعة، بسبب عطل في القطار القادم، فقد دهس رجل يحاول الانتحار!"
انتظرنا حتى حان الوقت، ودخلنا المقطورة أخيرًا.
وجلسنا بجوار بعضنا، ثم قبيل الانطلاق، جاء أمامنا رجل بلحية بنية مثلثة، وشوارب تدلت منها، كأنها مرسومة، يسرح شعره كله للخلف، حتى يتناسب مع جبينه الذي به صلع خفيف.
ابتسم ابتسامة المجاملة ولم يقل شيئًا!
تحرك القطار ..
توت .. توت ..
مررنا بجانب الناعورة، كان لا يزال رجال الشرطة والإسعاف هناك، الشرطة تحقق مع رجل بدين، والإسعاف يرفعون مِدرعًا مخضبًا بالدم، وحمارٌ يسير بعيدًا عنهم ...
عندها قال الرجل الذي أمامنا: ¡Oh, Don Quijote, desventurado caballero! ¡Al fin has dejado solo a Sancho, tu fiel escudero!
سألته عن طريق ترجمة الشيخ قوقل، ما اسمك؟
قال: Cide Hamete Benengeli
ثم مضى فينا، كأننا كنا ندون فصلًا جديدًا من الحكاية!
تمت